Powered By Blogger

الخميس، 6 فبراير 2014

البعد الاقتصادي في الإسلام

جريدة عمان
البعد الاقتصادي في الإسلام والقواعد التي وضعها لتنظيم حركة المجتمع في هذا الاقتصاد يقول الدكتور محمد الزيني: لما كان الإسلام خاتم الديانات، ويعد آخر توجيه وإرشاد من السماء إلى الأرض، لذلك اشتمل على توجيهات شاملة وقواعد كلية لتنظيم حركة المجتمع وتطوره في كافة المجالات العقائدية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، وركز على البعد الحضاري، لبناء مجتمع إسلامي قوي ناهض، ويرى الفقهاء أن جانب المعاملات في الدين الإسلامي أشمل من جانب العبادات وأعم، ومن هذه الجوانب الجانب الاقتصادي، فلقد أعطى لهذا الجانب مساحة واسعة ونهض علماء الإسلام بتقعيد هذه القواعد وتأصيل مسائله حتى تواكب التطور الحضاري للمجتمعات وتصبح قادرة على التكيف معها أينما كان وحيثما قام، ومنها أولا: ظاهرة ترشيد الإنفاق فقد أولى هذه القضية إيلاء عظيما فقال المولى عز وجل: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا). وقال(وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ). وهنا يحدد طبيعة الحركة الاقتصادية سواء على مستوى الفرد أو الأسرة التي هي نواة المجتمع، وكما يقول العلماء إذا صلح الجزء صلح الكل، فخطابه موجه للفرد الذي يقوم بالأمر وإلى الأسرة كجماعة تتفاعل داخل المجتمع وتمثل العمود الفقري له، فدعوته تحثنا على التوسط في الأمور، ما بين أمرين كلاهما مذموم وهو الإسراف الشديد وهذا تدمير لدخل الأسرة وينعكس أثره على إهدار طاقات الدولة وتخريب ميزانيتها، والبخل الذي يفضي إلى تعميق الكراهية بين طبقات المجتمع وزلزلته في أي حين، فيدعو أفراده إلى تنظيم حياتهم تنظيما دقيقا والموازنة بين الدخل الفردي والأسري، ومتطلباته وأبعاد المسؤولية الملقاة على عاتقهم، وهنا تنتظم الحياة وتسير في معراجها الصاعد إلى التقدم والرقي وكما تتقدم الأسرة من خلال المحافظة على ميزانيتها يتقدم المجتمع، بل وادخار جزء منها تحسبا للأمور الطارئة، كما رأينا في صنيع يوسف حينما نظم ميزانية مصر وخطط لمفاجآت المستقبل، كذلك الفرد والأسرة والمجتمع كافة مطالبون بالتخطيط الدقيق والأخذ بالأسلوب العلمي في إدارة دفة شؤون حياتهم هذا من جهة.
ومن جهة أخرى حينما حثنا الإسلام على الإنفاق بين لنا حدود هذا الإنفاق وحذرنا من التبذير فقال المولى (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) وقصص الصحابة في الإنفاق مشهورة وتجهيز الجيوش والجهاد في سبيل الله بالمال، فعلى الإنسان أن يسلك طريق الاعتدال أي طريق الكرم الذي هو وسط بين التبذير والإسراف والشح والبخل.
وثانيا نظم الإسلام العلاقة بين الدائن والمدين تنظيما دقيقا ومريحا للدائن والمدين، ويقول العلماء أن أطول آية في القرآن جاءت تنظم العلاقات المالية والتجارية، ورأى أن التجارة أمر مشروع وأن عشرة أمثال الرزق في التجارة، على أن يكون الربح وسطا بين أمرين كلاهما مذموم، التهاون أو الاستغلال، أي لا يكون الربح مغاليا فيه ولا يكون على حساب المستهلك، وكما تقول القاعدة الفقهية: (لا ضرر ولا ضرار).
فمن حق التاجر أن يكسب لأن هذا مورد من موارد دخله، لكن في الوقت نفسه مطالب ألا يغالي في رفع سعر سلعته حتى لا يرهق المستهلك ويتسبب في أزمات اقتصادية، وهزات في السوق ولو عدنا لهذه القاعدة يستشعر الإنسان بينه وبين نفسه الصواب من الخطأ والاستغلال من الربح الحلال، فالتوسط في الأمور هو الحل الوسط حتى تسير دفة الأسرة والمجتمع وتسود العلاقات الطيبة بين المستهلك والتاجر، وتتكافأ الفرص بين الجميع، وتتحقق العدالة الاجتماعية في المجتمع ويتقدم على طريق المستقبل.

الأحد، 2 فبراير 2014

قراءة في كتاب – معالم السيرة النبوية (3)

قراءة في كتاب – معالم السيرة النبوية (3)

جريدة عمان
د. محمد الزيني -
يواصل الدكتور محمد عبد الرحيم الزيني أستاذ الفلسفة الإسلامية قراءته لكتاب “معالم السيرة النبوية” الحلقة الثالثة تأليف سعادة الشيخ: أحمد بن سعود السيابي الذي صدر منذ فترة قليلة. قائلا: في بحث مستقل، ألقاه المؤلف في مؤتمر للسيرة في إسلام آباد عام (1406 هـ/ 1985)، بعنوان “الرسول الرحمة المهداة”، وهي العاطفة السائدة في شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد وصفه الله بهذه الصفة الخلقية العظيمة؛ يتناول المؤلف مظاهر الرحمة في حياة الرسول، ويستعرض هذه الجوانب التي تجلت ظاهرة في رحمته بعشيرته الأقربين ومنها حزنه على وفاة حمزة والعباس وابنته زينب وغيرها من المواقف، وأيضا رحمته، بأصحابه مثل أبي بكر وآل ياسر، ورفقه بالأطفال والنماذج في ذلك عديدة ولعل أشهرها بكاؤه على ابنه إبراهيم، أما تعامله مع الضعفاء والعبيد والحيوان فهو نموذج للرأفة والشفقة، وكان سلوكه يعد منبعا لكافة المواثيق التي صدرت تحافظ على حقوق الإنسان. علاوة على كل ذلك كان سلوكه اليومي وأقواله وأوامره ونواهيه وتعامله مع أعدائه والأسرى سجلا لقواعد الأخلاق والسلوك المثالي والارتقاء بالإنسانية إلى المكانة السامقة. (238 ــ 262)
وثانيا: الانطباعات: نستطيع أن نقرر بصدق أهم الانطباعات التي ترسبت في العقل وأراحت الفؤاد وسرت في الوجدان : ونلخصها في العناصر الآتية:
1 ـ ظهور شخصية الباحث في صفحات الكتاب ظهورا واضحا لا لبس فيه، وطغيانها بشكل جلي في تحليل الحوادث وشرح الوقائع؛ فلا يمر بشخصية قيادية أو حادثة تاريخية أو موقعة من المواقع، إلا يقف أمامها بالدراسة المعمقة والتحليل العلمي والنقد المنهجي، والتعمق في أبعادها، والتفرد بالرأي الطريف الذي يتفق مع السياق ولا يصادم استدلال العقل والاستنباط السليم.
2 ـ تطبيق المنهج الشكي الذي يبدأ فيه الإنسان شاكا وينتهي منه إلى اليقين، تطبيقا صارما كما طرحه الغزالي (505 هـ) في “المنقذ من الضلال “ورينيه ديكارت (1650) في المقال في المنهج والتأملات، والتدقيق في الحوادث وتمحيصها ودورانها في عقله كي تتبلور ويظهر غثها من سمينها وصدقها من كذبها، وعدم قبولها إلا بعد عرض الحجة المقنعة والدليل البرهاني ووضعها تحت مجهر الفحص والتمحيص، ثم يختار الرأي الذي يروق له؛ سواء اتفق مع وجهة نظر المؤرخين القدامى والمحدثين أم لم يتفق، المهم أنه قال كلمته ومضى، وعمل بحكمة سقراط (399 ق.م) ؛قل كلمتك وامض.
3 ـ يسري الحس الديني بين سطور الكتاب من أول صفحة إلى آخرها، ويتغلغل في ثنايا الموضوعات تغلغلا مبهرا، وهذا الانطباع يخرج به الإنسان حينما يقرأ الكتب التي تتناول سيرة الرسول بعامة ،وكتب الإباضية بخاصة، وفي صفحات الكتاب يشعر الإنسان بهذه العاطفة الدينية المتقدة في حبه للرسول وتعظيمه، والاحتفاء بسيرته أيما احتفاء، والاهتمام بكافة ما يتعلق بحركاته وسكناته ؛ مولده وبعثته وهجرته وأعماله وأقواله وسلوكياته، والدفاع عنه دفاعا حاراً، وتفنيد الاتهامات التي طرحها المستشرقون وغير المستشرقين ،الذين أرادوا أن يقللوا من مكانته ويجردوه من ميراث النبوة، ويدعون أن الإسلام معني بالجنس العربي وليس رسالة عالمية لكافة البشر، وكذلك بعض المعاصرين الذين ينفون عنه العصمة قبل البعثة .أو يشككون في بعض تقريراته أو مواقفه، أو يخلطون في سيرته الحقيقية بالخيال والواقعية بالأساطير.
4 ـ التعمق في دراسة تأريخ العرب قبل الإسلام بعامة، والتأريخ الإسلامي بخاصة، والاهتمام بدراسة أصولهم وأنسابهم وقبائلهم وعاداتهم ومظاهر معيشتهم، ورحلاتهم من مكان إلى آخر وأسماء الأماكن وأسباب تسميتها، وفي الوقت نفسه الدفاع عن عاداتهم وتقاليدهم المرتبطة بالبيئة والمحيط الاجتماعي والمزاج العربي البدوي، وإظهار صفاتهم الإيجابية التي كانوا يتسمون بها مثل؛ الشجاعة والنخوة والكرم وحفظ حقوق الجار وسلامة الفطرة وصفاء الباطن فهم على السجية، ولا يتوانى في الرد على الشعوبيين الذين حرصوا أن ينتقموا من المسلمين بسبب زوال دولتهم ويستصغروا شأنهم ويجردوهم من الخلال الكريمة، فنسبوا القصص الكاذبة ،والأساطير الملفقة، والحكايات الغريبة حول سلوكياتهم وعاداتهم.
لقد تكلم المؤلف؛ وعمل بنصيحة سقراط حينما قال للرجل الذي انضم إلى حلقته وظل صامتا، فقال له: تكلم كي نراك. وقد رأينا شخصية متزنة، لها نزعة عقلية واضحة، ومنهج شكي لا تخطئه العين، وحضور جارف، وأسلوب عربي فصيح ؛ بلاغة في القول، وإيجاز في الطرح ، ووضوح في الفكرة ، والبعد عن الألفاظ الغريبة.
ثالثا: حوارات ومناقشات.
1 ــ قرر المؤلف بعد أن أورد سيرة إبراهيم كما وردت في التوراة وكتب المحدثين والمعاصرين، وفيها أنه كذب ثلاث كذبات منها؛ قوله لفرعون أن سارة أخته، وعقب عليها بقوله :”لا نعلم مقدار المصداقية في القصة نظرا لما شاب التوراة من شوائب التحريف” (ص 17).
ونحن نؤيده فيما ذهب إليه في التشكيك في رواية التوراة، مع أنه لم يتعرض لمقولة كذب إبراهيم. على أننا نرفض رفضا كاملا اتهام إبراهيم بالكذب ونسبة ذلك إليه، ونعتقد أن الرواية مضطربة ومدسوسة عليه، ونستطيع أن نفندها، إذ إن القول أنها أخته، تعطي للملك الحق في طلبها زوجة له ما دامت قد وقعت في قلبه، وهذه المصاهرة كانت ترفع من شأن إبراهيم وهو غريب عن وطنه، ثم من يكره أن تتزوج أخته رئيس أكبر دولة آنذاك، ومن ثم فصواب الرواية أن إبراهيم لم يكذب وأبلغ فرعون أنها زوجته، وكان على يقين أن الله حاميه ومنقذه من بطش الملك لا محالة، يقول الشيخ محمد الغزالي: “ما روي من أن إبراهيم كذب ثلاث كذبات في هذه القصة وغيرها؛ عجز في الرأي وحمق في الفهم، وقد بدأ أهل الكتاب بهذه الأوهام، ثم تسللت إلى مَروياتنا، وهي مستبعدة عند المحققين. (نحو تفسير موضوعي، ص 348).
2 ـ استبعد المؤلف رحلة إبراهيم إلى مصر، وشكك كون هاجر جارية قبطية مصرية، ويرى أن الرواية “تفوح منها رائحة العنصرية، ولا ريب أن يقصد منها استنقاص العرب”. (ص 28).
ونتفق مع المؤلف في إنكاره كون هاجر “جارية”، وقد تعرضنا لهذه القضية في كتابي (المستشرقون وعلم الكلام ص 38) فرواية اليهود قصد منها استصغار شأن العرب، وأنهم “أولاد الجارية” “وعبيد سارة” كما تقول كتبهم، في حين أن اليهود أبناء الحرة!
ونؤمن إيمانا صادقا أنها حرة، لأن الله خلقنا جميعا أحرارا كرماء، ونحن البشر الذين أوجدنا العبودية والذل والاستعباد. لكنني لا أتفق مع المؤلف في إنكار رحلة إبراهيم إلى مصر ورفض الرواية كلية، دون أن يعتمد على مصدر معلوم أو مخطوط محفوظ أو آثار تاريخية، وإنما اجتهد فله أجر الاجتهاد، وعلينا إذا أردنا أن ننفي حادثة تاريخية وندحضها فعلينا أن نقدم الدليل؛ ولا يمكن أن تكون رحلة إبراهيم إلى مصر حادثة عابرة حتى يختلقها المؤرخون أو واقعة ثانوية حتى يهملوها، إنها حدث تأريخي وواقعة مؤثرة في مجرى التأريخ، وقد تواترت الروايات على تأكيد مجيئه إلى مصر، وقد أكد ذلك عبد الوهاب النجار (ت 1941) في “قصص الأنبياء ص 84 “، ود. حسين هيكل في حياة محمد (102)، واستفاض العقاد في كتابه “إبراهيم أبو الأنبياء” شرح المصادر اليهودية والمسيحية والصابئة ومراجع تاريخية لمؤرخين ثقات كلهم برهنوا على مجيئه إلى مصر، وكذلك أبو زهرة في (الديانات القديمة ص 9) هذا أولا، وثانيا يؤكد المؤرخون أن آثار الوحدانية والدعوة إلى عبادة الإله الواحد في مصر نابعة من مصادر متعددة منها رحلة إبراهيم إلى مصر، ومن بعده قدوم يوسف وأبويه وأخوته، وقصة موسى معلومة من القرآن، وهروب مريم من بطش حكام فلسطين ومعها ابنها عيسى حقيقة تاريخية مؤكدة. ورابعا، سيجرد المصريون من ميزة يفتخرون بها وهي: أنهم أخوال العرب، وهذا سيغضبهم ويؤلبهم عليه.
3 ــ في تعليله تقديم القرآن المكي ذكر إسحاق على إسماعيل، وتقديم الآيات المدنية اسم إسماعيل على إسحاق (ص32) يدل على عمق في الفهم وسعة في الأفق ولماحية نادرة وهو اجتهاد موفق، لأن قريش كان عندها نزعة استعلائية فوقية تجاه باقي القبائل، وحينما هاجر المسلمون إلى المدينة، أدركوا استعلاء عنصريا عند اليهود وشعورا بتضخم الذات وترديد مقولة: أنهم شعب الله المختار، فأراد الله أن يبين أن الجميع عباد الله وكل البشر من آدم، ونحن سواء أمام الله وميزان الاصطفاء هو العمل المنتج وخدمة البشرية وخلوص النية لله.
4 ــ نؤيد المؤلف فيما ذهب إليه من أن مسألة وأد البنات لم تكن متفشية بين القبائل العربية وربما وجدت في قبيلة أو أخرى (ص70 ـ 72)، كما نرى في إيمان بعض القبائل بالبعث، ولذلك كانوا يربطون الناقة بجوار قبر الميت حتى يبعث راكبا وليس مترجلا.
كذلك نعضد وجهة نظره في نفيه وأد عمر إحدى بناته ونثني على قدرته على غربلة الروايات الواهية، وإعمال العقل فيها، وعدم قبول القضايا كأنها مسلمات لا تحتاج إلى دليل أو برهان، فأولا تزوج عمر تسع زوجات أنجب منهن ثمانية ذكور وأربع بنات ولم يشر د. حسين هيكل ولا الشيخ الغزالي، الى مسألة قيامه بوأد أحد من بناته (د.هيكل: الفاروق عمر 34) ثانيا: ربما وضع القصة أعداء العرب من الشعوبيين أو الشيعة الغلاة الذين يكرهونه، أو الذين يحسدون مكانته في الإسلام، وقبلها المؤرخون حتى يظهروا كيف أن مبادئ الإسلام غيرت من كيميائية هذا الرجل، وقلبت نفسيته من الغلظة والشدة التي ورثها عن أبيه الخطاب، إلى الحب والرحمة والعطف والحدب على ضعفاء المسلمين والعناية بهم.
5 ــ ذكر المؤلف الأسباب الحقيقية لحملة ابرهة الأشرم على مكة، وأهمها ضرب مكانة الكعبة الدينية، في نفوس العرب، وما تجلبه على قريش من سيولة مالية ونشاط اقتصادي، علاوة على نيته نشر المسيحية بين العرب، وهذا تحليل مقبول من ناحية الواقع التأريخي وتسلسل الحوادث، وفي الوقت نفسه رفض رواية المؤرخين التي تقول أن سبب غزو إبرهة للكعبة يرجع إلى أن أحد العرب قد دخل الكنيسة التي بناها وأفسد فيها، فهذه حجة واهية وسبب ضعيف، ولا يبرر قيام جيش كبير بغزو دولة مجاورة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى وقف موقفا وسطا بين رأي الإمام محمد عبده الذي ذهب إلى أن مرض الجدري أصاب جيش إبرهة وتفشى فيه عن طريق الطير الأبابيل، وقد أيد حسين هيكل وجهة نظر الإمام، ومن أكد أننا أمام معجزة خارقة للعادة، فالطير الأبابيل ألقت عليهم حجارة فتناثرت أشلاؤهم، وذهب إلى ذلك سيد قطب، مع أنه وجد عذرا لمحمد عبده في هذا التعليل العقلي بسبب التخلف الفكري وجمود أحوال العصر.
فجمع المؤلف بين الرأيين فلم يستبعد تفشي مرض الجدري والحصبة في جيش ابرهة لكن هذه الفيروسات كانت عن طريق الحجارة التي ألقتها الطير الأبابيل.
وهذا التوجه يرضي طبيعة الإنسان ونوازعه المختلفة ومشاربه الثقافية المتعددة، من يأخذ بالنزعة العقلية ولا يقبل إلا الدليل والحجة والتحليل والتعليل ويقول في نفسه؛ نتعقل ثم نؤمن، ومن يريد أن يؤمن ويأخذ قضايا الدين مسلمات واضحة، دون تعليل أو تحليل، ويقول في نفسه نؤمن ثم نتعقل.

الجمعة، 17 يناير 2014

معالم السيرة النبوية 2

يواصل الدكتور محمد عبد الرحيم الزيني  أستاذ الفلسفة الإسلامية قراءته لكتاب “معالم السيرة النبوية” تأليف سعادة الشيخ: أحمد بن سعود السيابي  الذي صدر منذ فترة قليلة.  قائلا: ان المؤلف استهل حديثه عن مولد الرسول  صلى الله عليه وسلم  بالحديث عن أهمية الاحتفال وضرورته مع الإشارة الى موقف بعض العلماء بعدم إجازة الاحتفال بمولده، نظرا لما كان يشوب هذه الاحتفالات من طقوس مرفوضة وممارسات دخيلة على الإسلام مثل التي ابتدعها الفاطميون في مصر ، وفي آخر دولة اليعاربة طرحت القضية للنقاش ،وقد وضع شاعر عمان أبو مسلم البهلاني كتاب النشأة المحمدية للتعويل عليه في الاحتفال بذكرى الحبيب المصطفى .
ـ تحدث المؤلف عن تأريخ مولد الرسول، وما صاحب ذلك من تهيئة الأذهان بانبلاج فجر جديد للبشرية والإرهاصات التي مهدت التربة لظهور نبت جديد وقد لخصها في عدة نقاط أهمها:
أ ــ مجيء إبراهيم  عليه السلام إلى مكة ومعه هاجر ،ثم بناؤه الكعبة مع ابنه إسماعيل  عليه السلام، ودعوته الكريمة إلى أن يبسط الله الرزق والثمرات لهذه البلاد الآمنة ،وتقديس العرب لهذا البيت العتيق  .
ب ــ  وحدة اللغة ،لاغرو أن وحدة اللغة من العوامل المجمعة في المجتمع ،وقد ساعدت اللغة العربية في  وحدة العرب وتماسكهم وسهولة التفاهم بينهم في كافة أنحاء الجزيرة العربية ،فضلا عن أشعارهم ومعلقاتهم التي قوت أواصر المودة وحسن الجوار ووحدة الفكر  . ج ـ هزيمة حملة أبرهة الحبشي على مكة المكرمة واندحار جيشه بمعجزة  إلهية ،تمثلت في الطير الأبابيل ،التي ألقت عليهم الحجارة ففرقت جيشهم وشتت شملهم ،ومزقت أجسامهم .
د ــ عصمة الرسول ، فقد أعده الله  على عينه لتحمل عناء الرسالة وتكاليفها ، وحفظه من كل شر وسوء ،ورباه على كرائم الأخلاق  وصفات الكمال ،وأصبح نموذجا للإنسان الكامل . (63ـ 91 )
4 ـ  ينتقل المؤلف إلى الحديث عن البعثة المحمدية، وإلقاء الضوء على محطات سريعة في حياة الرسول، والإشارة إلى بعض المواقف التي  تعد إرهاصا لانبلاج النور، وفي الوقت نفسه تهيئة نفسية محمد  صلى الله عليه وسلم  لاستقبال الرسالة الخالدة ،وقد تمثل ذلك في اليتم الذي أصيب به في طفولته ، ثم اشتغاله برعي الغنم وهي مهنة تحتاج إلى  قدر كبير من الصبر والجلد ، والتأمل فيما حوله من الفضاء الواسع والهدوء الذي يشمل المكان ،ومع نضجه الجسمي بدأ يشارك في رحلات التجارة ومنها عمله في تجارة السيدة خديجة ،وقد تجلت صفات الأمانة ،والصدق في القول، ورقة الجانب والدماثة  في التعامل جلية لمن حوله ومن تعامل معه ،ثم توج ذلك بزواجه بالسيدة خديجة حيث وجد العش الهادئ والحنان الدافق  ونعم السند والمعين ، وحينما قامت قريش ببناء الكعبة ،اختلفوا فيمن يكون له شرف وضع الحجر الأسود ،وطبيعة المجتمع قائمة على الفخر والتفاخر ،وكادوا أن  يقتتلوا لولا أنهم اتفقوا أن  يحكموا أول رجل يدخل عليهم ،ولما كان محمد صلى الله عليه وسلم  هو الطالع فقد استبشروا بمقدمه وصاحوا هذا الأمين. وقد حل المشكلة حلا عقلانيا يدل على رَجاحة العقل وبُعد النظر . كذلك من الوقائع التي حضرها محمد وشارك فيها وكانت تهيئة لنفسه وبناء تفكيره ؛مشاركته في حلف الفضول مشاركة إيجابية ،إذ اتفقت قريش على مناصرة المظلوم والانتصاف من ظالمه ورد الحق له ،وبعد بعثته كان يذكره دوما ،ومن المعلوم أن محمدا صلى الله عليه وسلم  كان رجلا أميا لا يقرأ ولا يكتب وهذه إحدى المعجزات ،وقد تواترت الأخبار بذلك فضلا عن الآيات القرآنية التي أكدت ذلك وليس بعد القرآن دليل ، ومن صفاته السامية نفوره من عبادة الأصنام ،وحبه للعزلة والانفراد بنفسه للتأمل في ملكوت السموات والأرض ،وإدراكه للرؤى التي كانت تأخذ بمجامع قلبه وتتكشف في الواقع  ،وتمده بإحساس صادق أنه مهيأ لرسالة كبرى سينهض  بأعبائها وأن الأقدار تعده لمهام جليلة داخل هذا الكون ،ولم تكذب أحاسيسه ونداؤه الباطني ،ففي إحدى مرات تعبده جاء الوحي ،وطلب منه أن يقرأ ،وقرأ عليه (اقرأ باسم ربك الأكرم  ) ،وعاد إلى خديجة يروي لها هذه الواقعة الكونية ،فطيبت خاطره وهدأت من روعه وبشرته بالرسالة   ،ثم أخذته لابن عمها ورقة بن نوفل تستفسر منه عن ذلك فبشرها بنبوة محمد . وكانت خديجة أول من آمن بالرسول ،ومعها علي بن أبي طالب الذي كان يعيش في كفالته ،ثم صديقه الأثير أبو بكر ،الذي أقنع بعض وجهاء قريش بالدخول في الإسلام ،ومنهم عثمان بن عفان ،وبدأت شجرة أنصار الدين الجديد تورق وتينع وتزهر وتثمر الثمار الناضجة . ثم حانت لحظة الإعلان التي انتظرها التأريخ الديني ،فجهر بالدعوة في وسط قبيلته وعشيرته الأقربين ،وبدأت مرحلة الصراع بين الحق والباطل والخير والشر والمؤمنين والكفار ، وهذه هي جدلية الحياة وسمة من سماتها الرئيسة .وبعد أن  اشتد بطش قريش بالرسول وأصحابه الذين كانوا يجتمعون في دار الأرقم ،وزاد عسفها ،وقدمت الدعوة الجديدة أولى شهدائها من آل ياسر ،لم يجد مفرا من توجيه أصحابه إلى الهجرة إلى الحبشة ،بسبب التواصل التجاري بينهما فضلا عن أن النجاشي  من أهل الكتاب ،وعلى الرغم من محاولة قريش استرداد هؤلاء المؤمنين إلا أن النجاشي أفشل محاولتهم التي قام بها عمرو بن العاص ، ولم تهدأ ثائرة قريش التي قررت محاصرة بني هاشم فوضعوا صحيفة يتعهدون فيها بمقاطعتهم  . ثم توالت المحن على الرسول بموت عمه أبي طالب الذي كان يحميه من بطش قريش ،ووفاة زوجته خديجة المؤنسة له في وحدته والسند النفسي الذي يشد من عضده ،حتى سمي هذا بعام الحزن ، استجمع الرسول صلى الله عليه وسلم  أشتات نفسه الحزينة ،وقرر مواجهة الصعاب ،إذ كان مؤمنا إيمانا صادقا أن الله ناصره ،وهكذا عانى الأنبياء قبله من عنت أقوامهم وظلمهم ومكرهم ،فتوجه إلى  الطائف يدعوهم إلى  كتاب الله ونبذ عبادة الأصنام ،ولكن مردود الرحلة كان محزنا ،لأن سفهاء القوم آذوه وسخروا منه ،فتركهم وولى وجهه إلى  صاحب الملكوت يشكو له ظلم الإنسان لأخيه الإنسان الذي جاء يخرجهم من الظلمات إلى النور .( ص94 ـ 118 ).
5 ــ بعد أن توالت الأحزان على الرسول  صلى الله عليه وسلم  ، من موت أحبائه وتعنت رؤساء قريش ،ونفورهم من الإيمان بالله ،كانت حادثة الإسراء والمعراج تسرية عن همومه  الإنسانية وبلسما لجروحه النفسية ،وإبلاغه أن العناية الإلهية ترعاه ولم تتخل عنه ،وإعطاءه دفعة  روحانية ،و كانت هذه الرحلة تكريما له وإعلاء من شأنه ،إذ أسري بالرسول بالجسد والروح والعقل واليقظة ، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وصلى بالأنبياء ؛ودلالة ذلك تؤكد أن الإسلام مكمل لما قبله من الديانات السماوية ،هذا من جهة ،ومن جهة أخرى ،تظهر مكانة  بيت المقدس وأهميته للمسلمين ،ثم عرج به إلى السموات العلى  .  ورأى المشاهد التي تقرر جزاء الإحسان ومنقلب الكفار .
( ص 122 ـ 131 )
6 ـ في حديثه عن الهجرة النبوية يتحدث المؤلف عن مفهومها في عقول المسلمين ووجدانهم ؛وتعني هجرة المجتمع الوثني الذي رفض الهداية النبوية ،والانتقال إلى الحياة الجديدة المزينة بالإيمان وتأسيس مجتمع جديد يقوم على الشورى والعدالة الاجتماعية ،وتكافؤ الفرص والمساواة العادلة القائمة على الكفاءة وبذل الجهد وعظمة  المواهب .وقد اختار الرسول  صلى الله عليه وسلم  المدينة لأسباب جوهرية أهمها : وجود قبيلتي الأوس والخزرج وهما قبيلتان أّزديتان قحطانيتان ،في حين أن سكان مكة وما حولها كانوا من العدنانيين الذين ينظرون إلى قريش نظرة تقديسية ،هذه نقطة ،والثانية :أن المدينة كانت تتميز بالزراعة و مكتفية بإنتاجها الغذائي ،والثالثة أنها تمتاز بموقع ممتاز حصين  يساعدها في صد الأعداء .والرابعة :أنهم بايعوا الرسول  صلى الله عليه وسلم في بيعة العقبة ،واعتنقوا الإسلام ،وأصبحوا نسيجا من الدعوة الفتية .
ولاشك أن خلع الرسول  صلى الله عليه وسلم  اسم المدينة على يثرب ،له دلالته التي تنبئ أنها مقر الدولة الموعودة والحكومة الجديدة بكل مؤسساتها السياسية والاقتصادية والعقلية ؛أي بداية للإسلام الحضاري ،وظهرت تجليات ذلك في توحيد النسيج الاجتماعي في المدينة عن طريق المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، ولأهمية الهجرة التي تعد فتحا لانطلاق الإسلام إلى الآفاق علينا أن لا نهمل هذا التأريخ ونعيد له اعتباره في التقويم  السنوي .وقبل أن يختم حديثه عن الهجرة يشير إلى دستور المدينة ،أي المعاهدة التي عقدها الرسول  صلى الله عليه وسلم مع اليهود وعاهدهم على التسامح وترك لهم الحرية الدينية كاملة، ووضع لهم قواعد ومواد تشبه دساتير العصر ،تحدد طبيعة العلاقة بين المتعاهدين .وقد أشار إليها الكثير من المفكرين المعاصرين ،وحللوا عناصرها ورأوا أنها  تحتوي على أكثر من 47 مادة في رأي البعض و70 مادة في رأي البعض الآخر ، وقد فصلها المؤلف وحلل موادها وتعد التعبير الصادق  للمواطنة الصالحة والعيش المشترك .( ص 114 ـ 145 )
7 ــ ثم يقف المؤلف أمام غزوة بدر(2 هـ) ويطلق عليها اسم أم المعارك ،ويتحدث عن أسبابها ،وتفاصيلها ؛ومنها خروج الرسول  صلى الله عليه وسلم  من المدينة متوجها لملاقاة قافلة قريش ثم تحول الأمر إلى صدام مسلح بين قوتين غير متكافئتين عددا وعدة ،إلا أن المسلمين كان يطلبون الشهادة ،وعندهم طاقة روحية تفل الحديد ،وقد انتهت بنصر حاسم ،وكان من أهم نتائجها المبهرة إعادة الاعتبار للمسلمين والتمكين للإسلام في الجزيرة وارتفاع الروح المعنوية في صفوفهم ، وقتل صناديد قريش .علاوة على الدروس المستفادة منها وأهمها تحقيق مبدأ الشورى  والمساواة ،وأهمية العقيدة في الحرب .والإعلاء من شأن العلم . ثم ينتقل المؤلف للحديث عن غزوة الخندق ويتناول بالتفصيل  أسبابها و تعاون المسلمين في حفر الخندق وعلى رأسهم الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم تجمع الأحزاب من قريش وباقي القبائل ،أضف إلى ذلك اليهود الذين نقضوا العهود وانضموا إلى قريش، وحصارهم للمدينة  ،ثم المناوشات التي وقعت بين الفريقين ،وتدخل العناية الإلهية بضربتها القاضية بواسطة الريح الصرصر الشديدة ،فشتت شمل قريش وأعوانها ،وكان النصر خاتمة المطاف .
ويتابع المؤلف حديثه عن انتصارات الرسول  صلى الله عليه وسلم  وكان دخول مكة (8 هـ) تتويجا لانتصاراته المبهرة وتمدد الإسلام في شبه الجزيرة ،فيشير إلى أسباب فتح مكة ،وتقدم جيشه الظافر تجاه المدينة المقدسة ودخوله بسلام وتحطيمه الأصنام وعفوه  عن القرشيين ،ومقولته الخالدة : اذهبوا فأنتم الطلقاء .
وكان من أهم نتائجها انتشار الإسلام في داخل الجزيرة ،وانطلاقه  إلى الآفاق .وحينما عاد الرسول إلى المدينة جهز جيشه للذهاب لمقاتلة الروم في تبوك (9 هـ) للبرهنة على مدى قوة الإسلام وقد جاءت بعد غزوة مؤتة ،وبراعة خالد في انسحاب جيش المسلمين ،ويشرح المؤلف أسبابها ،ومنها عزم هرقل غزو بلاد المسلمين والاستعداد لها ،وظهور حركة المنافقين نظرا لشدة القيظ  وتخلف بعض المسلمين ،ثم تقدم الجيش بقيادة الرسول   صلى الله عليه وسلم  إلى تبوك ،وانسحاب جيش الروم ، وعقده الصلح مع أهل أيلة والجرباء، ثم عودته  ظافرا إلى المدينة . (156 ـ 236)

الاثنين، 6 يناير 2014

على لِسانِها


على لِسانِها 






أَبِيْعُ "العِلْكَ" فِي السَّاحَاتِ بُؤْسا 
               وقَلْبُ عُرُوْبَتِي قَدْ بِيْعَ بَخْـسا
وَلَمْ تُضْحِ الضَّمَائِرُ فِي ظُهُوْرٍ 
               وَلَمْ تُمْسِ النُّجُوْمُ طُمِسْنَ طَمْسا
رَبِيْعِي دَاْئِمًا يَأْتِي بِخَيْرٍ
               فَمَاْ بَاْلُ الرَّبِيْعِ يُذِيْقُ بَأْسا 
وَيَقْمَعُ طَيْرَنَا المَيْمُوْنَ حُرًّا
               يُيَتِّمُ زَهْرَةً وَيَصُدّ ُشَمْسا
وَيَهْذمُ لَذَّةَ الطِّفْلِ الشَّرِيْدِ 
               وَلَاْ يُبْقِيْ لَهُ صَوْتًا وَهَمْسا
ويُحْزِنُ فِي الأَصِيْلِ بَنَاْتِ خِدْرٍ
               فَلَمْ نَرَ بَعْدَ هَذَاْ اللَّيْلِ عُرْسا
وِإِنْسَاْنِيَّةٌ صَاْرَتْ هَبَاْءًا
               وَقَلْبٌ فِي جَحِيْمِ الذُّلِّ أَمْسى
بَنِي قَوْمِيْ : أَجِيْبُوْا لَسْتُ أَدْرِي ؟!
               أَغَاْبَ ضَمِيْرُكُمْ أَمْ ضَاْعَ مَسّا ؟
أَلَاْ اْتَّحِدُوْاْ، فَحَاْلِيْ اليَوْمَ هَذَاْ 
           أَبِيْعُ "العِلْكَ" فِي السَّاحَاتِ بُؤْسا 



إسماعيل بن سعيد المحاربي
               
             
               

الخميس، 26 ديسمبر 2013

قراءة في كتاب معالم السيرة النبوية «1»


قراءة في كتاب معالم السيرة النبوية «1»
جريدة عمان
د. محمد عبدالرحيم الزيني – أستاذ الفلسفة الإسلامية -
صدر منذ فترة قليلة كتاب (معالم السيرة النبوية) تأليف سعادة الشيخ أحمد بن سعود السيابي في طبعة راقية وتجليد فاخر، عن دار الضامري للنشر بمسقط، ويتناول محطات سريعة، من التأريخ القديم تضرب في أعماق التأريخ بداية من أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، إلى سيد الأنبياء محمد ـ صلى الله عليه وسلم، ويقف وقفات طويلة أمام حياة الرسول ومبعثه وبعض غزواته.
والكتاب عبارة عن جملة من البحوث والمحاضرات، واللقاءات الصحفية، كتبت في مناسبات مختلفة وأوقات متباعدة. يجمعها وحدة الموضوع ودورانها حول سيرة الرسول الكريم.
ولا شك أن الموضوع ليس جديدا، فكافة المسلمين في أقطار الأرض يحتفلون بالمناسبات الدينية وأعظمها ميلاد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهجرته من مكة المكرمة بعد أن نبا به المضجع إلى المدينة أرض الرجاء والأمل، ورحلته المعجزة أي الإسراء والمعراج، وقد يتبادر للقارئ المتسرع أن هذه قضية قتلت بحثا ودراسة وتمحيصا، ولكن المفاجئة الرائعة أن المؤلف حينما أطلق على كتابه (رؤية تحليلية ونظرة تصحيحية)، كان صادقا مع نفسه أولا، ومع القارئ ثانيا، وأنه بنظراته الثاقبة وتحليلاته العميقة ومنهجه المحكم واستيعابه للتأريخ الإسلامي بعامة والتأريخ العماني بخاصة، قدم لنا أفكارا جديدة ورؤى مغايرة لما قرأناه سابقا عند بعض المفكرين الكبار والكتاب الجهابذة، أمثال، الدكتور محمد حسين هيكل (ت 1956 ) في (حياة محمد)، والعقاد (1963) في عبقرية محمد، والشيخ محمد أبو زهرة (1974) في خاتم النبيين والشيخ محمد الغزالي (1996) في فقه السيرة، والشيخ محمد سعيد البوطي (قتل 2011 ) في فقه السيرة.
ونحن بصدد عرض مجمل لموضوعات الكتاب، ثم نتوقف نناقش الؤلف في بعض القضايا التي طرحها ونتحاور معه أحيانا، ونشاغبه أحيانا أخرى.

أولا: محاور الكتاب

يتكون الكتاب من مقدمة، وثلاثة عشر موضوعا، وهي مضمون الكتاب، تتناول السيرة النبوية بتفاصيلها الرئيسية منذ الإرهاصات الأولى، حتى غزوة تبوك، مرورا بالميلاد والبعثة والهجرة، وهذه ضمت إحدى عشرة مقالة أما الثاني عشر فكان بحثا مستقلا يدور حول جوانب الرحمة في حياة رسولنا، والثالث عشر مجموعة كلمات دينية قيلت في مناسبات دينية.
1 ـ استهل الشيخ السيابي كتابه بالحديث عن العرب العاربة وهم العرب الخلص، والعرب المستعربة، وهم غير العرب الذين امتزجوا في نسيج العرب وتعلموا لغتهم. ويقسم العرب إلى عرب بائدة، وقد اندثروا في الزمن القديم وعرب باقية وكلهم ينتسبون إلى إسماعيل جد العرب وينقسمون إلى قحطانية وقد سكنوا اليمن السعيد، وعدنانية قطنوا الحجاز، أما عُمان فقد ضمت قبائل من القحطانية والعدنانية.
ثم يتوقف للحديث عن أبي الأنبياء ويشير إلى ولادته في بابل بالعراق، ورفضه عبادة الأصنام، وجداله مع قومه وإلقائه في النار ثم أنقذه اللطف الإلهي، وارتحاله إلى حران في بلاد الشام وزواجه من سارة، ثم تكررت القصة ثانية مع عبدة الكواكب وجداله معهم، ولما لم يجد منهم استجابة لعبادة الله وتجافيا عن تعاليمه، رحل إلى فلسطين وأقام فيه عشر سنوات، إلا أن البلاد أصابها قحط شديد، فولى وجهه إلى مصر، وهناك وقعت القصة المعروفة مع فرعون مصر الذي طمع في الزواج من سارة، ولما تكشفت الحقيقة لفرعون، وهبه الكثير من العطايا والهدايا الثمينة، وأهدى سارة جارية قبطية هي (هاجر).
أما قصة إسماعيل عليه السلام، فبعد أن استقر إبراهيم عليه السلام في فلسطين، وأدركت سارة استحالة الإنجاب وهبت هاجر له فدخل بها فحملت، ولكن تقلبات النفس الإنسانية وأغوارها عجيبة، إذ تفجرت غيرة سارة فعكفت على إيذاء هاجر التي لم تتحمل هذا الجفاء والإيذاء فخرجت هاربة هائمة على وجهها، ولكن الملاك خاطبها أن تعود وبشرها أنها ستلد مولودا ذكرا، وعادت وولدت ابنها إسماعيل عليه السلام، إلا أن سارة طار عقلها، ولم تعد تتحمل وجودها فأمرت إبراهيم أن يطردها، ثم تشاء العناية الإلهية أن تحمل سارة وتضع مولودها إسحاق، إلا أن سارة مضت في طريقها وأصرت على طرد الجارية وابنها، فقام إبراهيم عليه السلام بطردها بعد أن زودها بالطعام والماء، وهامت على وجهها في الصحراء حتى نفد الماء، وأخذ وليدها يبكي، فناداها الملاك وأرشدها إلى بئر ماء، وعاشت في هذا المكان حتى كبر إسماعيل عليه السلام، فاتخذت ؟؟أمه؟؟ له زوجة مصرية.
هذه هي الرواية التي تناقلها المؤرخون المسلمون نقلا عن التوراة مع بعض التعديلات كي يوائموا بين ما ورد فيها وما ساقه القرآن، ورصدها شيخنا ؟؟ببعرها وبجرها؟؟ مع عدم تسليمه بوقائعها.
على أنه توقف عند ذلك وعرض القصة ثانية من وجهة نظره، ومن منظوره الخاص، إذ ذهب إلى أن إبراهيم عليه السلام بعد أن أقام في قومه ودعاهم لعبادة الله الواحد، ثم آذوه ورفضوا الانصياع لأوامره وتوجيهاته، هاجر إلى مكة بأمر من الله وهي هجرته الأولى، ويطرح احتمالين، إما أن يكون قد تزوج هاجر من قومه وهاجر بها إلى مكة، أو يكون تزوجها من عرب الحجاز الذين كانوا يعيشون حول الحرم، وقد عاش فيها فترة طويلة أنجب فيها إسماعيل عليه السلام، ووقعت له الأحداث التي أشار إليها القرآن، وهي الرؤية والذبح والفداء وبناء الكعبة، ثم تزوج إسماعيل وأنجب نسلا صاروا ذرية إبراهيم. ويؤيد وجهة نظره بما ورد في سورة (الصافات الآية 83 ــ 113).
أما الهجرة الثانية، فبعد أن اطمأن إبراهيم عليه السلام، على ابنه إسماعيل وذريته، الذي اشتد عوده وتحمل مسؤولية الرسالة إذ صار نبيا رسولا، عاد أدراجه إلى قومه فوجدهم عاكفين على عبادة الأصنام فظل يعظهم ويجادلهم لعلهم يرعوون ويؤمنون بالإله الواحد، إلا أنهم أغلقوا عقولهم وهموا أن يحرقوه ثانية، فلم يجد بدا من الهجرة ثانية ومعه لوط إلى الأرض المباركة ولعلها بلاد الشام، حيث بشره الله بإسحاق ومن بعده يعقوب. وعول في ذلك على الآيات الواردة في سورة (الأنبياء 51 ـ72).
على أنه يرفض أن تكون هاجر أمة مصرية أهدتها سارة لزوجها إبراهيم عليه السلام، لأن هذه القصة تفوح منها رائحة العنصرية، والقصد منها الاستنقاص من العرب. وقد تكاثر نسل إسماعيل عليه السلام وتفرقوا في جزيرة العرب ومنهم القحطانية والعدنانية وهما أبا العرب العاربة، وقبل أن يختم هذا الفصل يجيب عن سؤال، لماذا تقدم ذكر إسحاق على إسماعيل في القرآن المكي، وتقدم إسماعيل عليه السلام عليه في المدني؟، وأجاب: لما كانت العرب ولا سيما قريش تعتد اعتدادا مبالغا فيه بنسبها لإسماعيل عليه السلام، فأراد القرآن أن يخفف من هذا الغلو ويكبح جماح هذه النزعة العنصرية. أما وانتقل العرب إلى المدينة وكان اليهود معتدين بالانتساب لإسحاق إلى حد الاستعلاء العنصري، والادعاء أنهم أبناء الله وشعبه المختار، فأراد الله أن يتحداهم ويبين لهم أنهم ليسوا بأفضل نسبا من العرب، إذ أن الكل تعود جذوره إلى إبراهيم أبي الأنبياء. (ص 13 ـ 28).

الثلاثاء، 17 ديسمبر 2013

لماذا تنازلتُ عن سِمنتي؟!

مذكراتي
..
.
لماذا تنازلتُ عن سُمنتي؟!
إسماعيل المحاربي
روابط التحميل في الأسفل:


مُذكرات
//..
















إهداء 

إلى أبي الغالي - حفظه الله-
الذي لا يزال يردد : كفاك يا بني .. لا تهلك نفسك بهذا الريجيم !!!!

إلى أمي الحنونة - رعاها الله –
التي وقفت بجانبي وساعدتني
إلى أخي الحبيب يوسف الذي طالما نصحني
والأخوين حارب ويحيى اللذين وقفا معي في التمارين الرياضية
وأخي سلطان 
إلى كل من ساعدني وشجعني ومد لي يد العون
وتفضل عليّ بمعلوماته الجميلة
إليكم جميعًا
أهدئ هذه المذكرات
هدية متواضعة وكُلُّ إِناءٍ بالذي فِيهِ يَنضَحُ
محبكم : سمين سابقا
* لماذا الحرب ضد السمنة؟
إن الإرهاب الحقيقي الآن هو إرهاب السمنة كما يقول جون هيوز ، التي تفتك بالبشر، ودائما ما نردد (الذي يزيد عن حده ينقلب ضده)، فما فائدة أن نحمل كيلو غرامات نحنُ في غنى عنها؟! 

السمنة مرض، بل داء عضال، هي التي تؤدي إلى وفاة 300 ألف سنويا وفاةً مبكرة كما تشير بعض التقارير، ولا زالت الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها تنفق الكثير لمحاربة السمنة .

السكري، ارتفاع الكليسترول والضغط، تصلب الشرايين، آلالام المفاصل، الأكياس الدهنية، ضيق النفس،...الخ أليس هذا أغلبه بسبب السمنة ؟! نعم بعضها قد لا تأتي بسبب السمنة لكن الأغلب منها بسببها . 

فلذلك لا بد من أن نعد العدة، ونعلن الحرب ضدها.

فَمُوتُوا كِرَامًا أَوْ أَمِيتُوا عَدُوَّكُم 
وَدِبُّوا لِنَارِ الْحَرْبِ بِالْحَطَبِ الْجَزْلِ


*سُمنة لكن.. 

لا أدري ما العلاقة بين السمنة والمرح؟ فتجد أن أغلب البدناء مرحون لطيفون مبتسمون؟ والبدين دائما ما يرى نفسه أنه لطيف وودود، كما يقول الشاعر السمين بشار بن برد عن نفسه وكان ضخم البنية : 
 في حلتي جسمُ فتى ناحل *** لو هبت الريح به لطاحا 

وفي بيت آخر يقول لمحبوبته : 
إن في بردي جسما ناحلا *** لو توكأتِ عليه لانهدمْ 
الله أكبر يا وزن الريشة ! 

قال لي أحد الأصدقاء الجميلين : بعدما خف وزنك فقدنا مرحك! ، وقال لي أخي ذات ليلة: افتقدنا مواقفك المضحكة وشغبك. 
ما سبق هي دوافع لرفع معنويات البدناء :
وإني وإن كنتُ السمين فإنني *** لأحمل روحا ما رأيت كلطفها 

بس خف علينا !!! قصدي خف جسمك . 
وكذلك فالسمين تترك له الفرصة للقعود في المقعد الأمامي في السيارة في حال الزحمة . 

* أهل السُمنة ... مضطهدون !
أولا : من قبل نفسه /

البدين مضطهد أولا من قبل نفسه، فهو يخجل كثيرا بسبب سمنته، قد يترك بعض المناسبات وينطوي في بعض الأحايين، بسبب جسمه الذي لا يتقبله، وللتعب الذي يجنيه بسبب تراكم الشحوم على جسمه، قد ينطوي لأن بعض المناسبات قد يكون فيها زحمة شديدة فلا يرتاح في جلسته، مضطهد لأن النفس يضيق عليه كثيرا في الكلام .

بعدما ودّعتُ السمنة فاجأني أحد الإخوة، وذكرني بشيء لم أكن أذكره، قال لي: يا إسماعيل الآن أحسك أفضل في الكلام، في السابق حينما كنا نتحدث معك نشفق عليك من كثرة تنفسك !!! لم أصدقه بداية إلا بعدما رأيت نفسي في فيديو منذ فترة قمت بتسجيله. 

البدين مضطهد من قبل نفسه أحيانا؛ بسبب نزول عرقه الكثير مما يثير بعض الروائح، التي ينفر منها الناس، فلذلك لا يختلط كثيرا بالناس.
كنتُ أعاني كثيرا من الحكة بين الرجلين بسبب الشحوم المتراكمة، ولله الحمد منذ أن بدأت بالبرنامج وإلى الآن لم تعد لي تلك الحكة المزعجة التي كانت تعذبني وتسهرني !!! 

ثانيا: من قبل مجتمعه /

إن للكلمة التي يطلقها الناس ضد البدناء التي لا يحسبون لها حسابا، عميقَ الأثر السلبي ضد البدين، جرح عميق في نفسه، فأي خطأ صادر منه قد يجد من السخرية به ما يجد، كذلك الذي يعبر الشارع ولجسمه الثقيل تأخر قليلا، فإذا بسائق السيارة يحرجه أمام الناس بقوله : يا الدب !!! وهذا قليل، ولقد كنا نتسامر خارج المسجد في جلسة نقاش قال لي أحدهم: لا تزعل مني، كيف تتعامل مع نفسك في دورات المياه !!! لم أملك أن أقول حينها إلا : الحمد لله الذي لم يجعلني أجرح قلوب الناس وأمام الملأ.
كنتُ ذات يوم مع إخواني في زيارة لأحد الأقارب، وهناك نساء ، فإذا بشخص يقول لي : خفف وزنك فإنه لا ترغب بك امرأة بهذا الجسم !!! ... (نوع خطير من قصف الجبهات) فإذا بأمه تنازعه ... فكظمت غيظي ... وربما هو خير لي، فرب ضارة نافعة .

اضطهاد فأغلب المقاعد في المقاهي لمتوسطي البنية، وخاصة في مقاهي الكرك التي كنت أخاف من القعود عليها، إلا أنني أتخيل نفسي ريشة في مهب الريح إلى أن أنتهي من الإفطار . 

كنتُ مرة مع أناس يمنعون ابنهم من أن يلبي شهيته ورغبته في الأكل خوفا منهم من أن يصبح سمينا، يرمقونه بتلك النظرات ليقوم ويغسل يديه، الحمد لله كنت حينها من غير صنف المغضوب عليهم فأكلت حتى شبعت ! 


وغيرها من الاضطهادات التي تمارس ضد السمين ، لكننا كنا نحاول أن نرد بعض الكلمات القاسية بلطف، مثلا : الكرش للخنجر، يعني الخنجر تحتاج لتظهر إلى بطن واسع، لكن المصيبة أن الخنجر لم تعد تتحملني لما زاد الوزن !!! 

وحينما كنت أدرس بمعهد العلوم الإسلامية، نقلني مشرف السكن إلى غرفة أخرى فانزعجوا مني بسبب شخيري، وإذا بهم يخبرون المعلم في إحدى الحصص ولم يخبروني أنا من قبل .. وقالوا بأنهم لا يستطيعون النوم من وقت بسبب شخيري !!! لا تعليق ... أظنهم لا يحبون سيمفونيتي أثناء النوم ... ربما . 



*أسباب الحمية:
اعتاد الناس أن يلزموا الحمية لأسباب أربعة :

- المرض : فيضطر المريض هذا حرصا على بقائه سليما في هذه الدنيا .
- الحاجة : كالاحتياج إلى وظيفة عسكرية أو أي وظيفة تشترط اللياقة البدنية .
- الرشاقة : كي يحصل على جسم رشيق متناسق .
- الحب: والصحيح أن الحب يفتح الشهية لكن الحمية تكون حين الاشتراط من المحبوب أو الهجر وهو قول فيه نظر .

ومهما يكن الهدف فإن الصحة أهم شيء . 




* لماذا التنازل عن السمنة؟ 
من الطبيعي أن يكره الإنسان المرض، لكن من غير الطبيعي أن لا يبتعد عنه ويزيله بشتى أنواع الأدوية، فلكل داء دواء إلا الموت، وإلا الحماقة، وبما أن السمنة من أكبر أنواع الأدواء فمن ثَمَّ تنازلتُ عنها وودعتها. 

حياتي ما قبل الحمية، كانت مجرد ذهاب للدراسة وللمسجد، وفي البيت على المذاكرة أو الانترنت والأكل فقط، لا حراك أبدا، حتى زاد اللحم والشحم. 


كنتُ نهما في الأكل، فلا أتحدث أثناء الأكل احتراما وتحية له، لدرجة أن أهلي ربما يتشاجرون في بعض الأحايين أثناء الأكل، وأنا غير مبالٍ بما يحدث، فهمّي أن أقضي على الأرز، لعل ذلك يخفف من حدة شجارهم !!! والنفس لا تشبع فكم ... 
كَمْ حَسَّنَتْ لَذَّةً للمرءِ قاتلةً *من حيثُ لَم يَدرِ أنَّ السُّمَّ في الدَّسَمِ

*لا أشعر برجلي .. !!! 1/1/2013 م
قلت لأخي ذات مرة أني لا أشعر برجلي، فاستغرب من ذلك، نعم لم أشعر بالإحساس في رجلي اليمنى، وكثرت لدي الوساوس، فقمت بالمشي لعله يخفف من حدة ما أصابني، فلم يخف، ولم أنو الذهاب إلى المستشفى لا أدري لم؟ لعله خوفا ...

قررتُ الذهاب إلى المستشفى ...

*شرارة البداية وصفعة الطبيب: 
أجريت الفحوصات، وانتظرتها كثيرا فساعة من الانتظار كسنة، تقول لي الممرضة : اذهب للإفطار ثم عد إلينا، وهل نفسي تستصيغ الطعام آنذاك !!

عدتُ إليهم بعد وجبة حطمتها ببطء، لقتل الوقت ليس إلا، والحمد لله وجدت النتائج قد خرجت من المختبر، دخلت عند الطبيب ...
- هاه بشر كيف النتائج؟
- النتائج طيبة، كل شيء سليم عدا الارتفاع في الكليسترول غير الجيد   .
- آها... والعلاج يا سيدي .
- لا يوجد لدينا علاج سوى أنك تخفف بعض الجرامات من وزنك!!!!

هذه الكلمات بمثابة الصفعة لي، فابتسمت له وقلت له : شكرا. 

نفسي هدأ قليلا لأني عرفت سبب التورم وعدم الإحساس في قدمي ... خرجت من المستشفى ولا يزال صدى الصفعة على وجهي ... 

في بعض الأحيان ما ينفع إلا العين الحمراء !





*محاولات باءت بالفشل ثم أخرى ناجحة 19/2/2013 م:

ابتدأت بالحمية بنفسي فتارة ألتزم وتارة لا ... 
إلى أن نصحتني طبيبة بأن أجلس مع مستشارة تغذية.

فجلست معها وعلمتني الطرق والأساليب التي أتبعها - جزاها الله خيرا- .

وهذه نقطة مهمة عند بداية الحمية، أن ترتبط بأحد تستشيره وتزوره كل شهر بحيث تجتهد في الحمية، كما أنه لا بد من كتابة الهدف. 

عرفت حجم وزني وقياس طولي، وسجلتهما عندها وألزمتني بزيارتها بعد شهر لنعرف كم نقص وزني؟ وهل أنا جسمي قابل للنقصان بسرعة أم أنه بطيء في النقصان لاتباع نظام آخر. 



*المطلوب في الحمية: 

أخبرتني المستشارة بأنه عليّ أن أمتنع عن الأرز والخبز الأبيض، ولكن هذا الامتناع يكون بالتدرج وليس من أول وهلة، والطريقة هي الإكثار من السلطة قبل نصف ساعة من الأكل، بحيث لا آكل أرزا كثيرا، هذا بالنسبة لوجبة الظهر، أما الإفطار فإن كنت أفطر بخبزتين مع الجبن أقللها إلى خبزة وكوب شاي، ولا بد من وجبات صغيرة ين كل وجبة ووجبة لأن الجوع مشكلة في الحمية. 

ونصحتني بالابتعاد عن الزيتيات، كل ما يقلى بزيت، وأن أستخدم زيت الزيتون لفائدته في طرد الكليسترول الضار، ونصحتني بشراء الخبز الأسمر وأكل كل شيء مشويا ، كالسمك أو صدر الدجاج، كما نصحتني بالإكثار من الماء والخضروات وبعض الفواكه .

ونصحتني بالمشي السريع يوميا ولو نصف ساعة بداية ثم ساعة ثم مشي مع ركض وهكذا... وأن أبتعد عن الأعشاب والحبوب فقد يكون لها أثر جانبي .

كما أن لدي في هاتفي أرقام بعض الأشخاص، أستشيرهم في بعض المأكولات فكانوا لي خير المعين .
ثم بعد فترة قطعت الأرز نهائيا والخبز الأبيض كذلك والشاي والألبان، واعتمدت على الخبز الأسمر المفيد، والشاي الأخضر والخيار، والجريب فروت، والكمون والزنجبيل والقرفة، فهذه كلها تخلصك من الدهون . 
















*سر الاستمرار :
بدأت بالبرنامج، وأخي يمشي معي لكنه انقطع عني وواصلت بنفسي، ثم ارتبطت بأخي الذي علمني بعض التمارين الرياضية وبدأت معه الركض والمشي في الودي، كان يشجعني كثيرا، فعلى سبيل المثال يردد مشجعا لي:

زايل الهم زايل *** يا وحوش الجزيرةْ

ثم بحسب ظروفه العملية لم أتواصل معه، فواصلت بنفسي .



لا أخفيكم سرا في البداية كنتُ غير متفائل، وأنا أركض أقول في نفسي : (هل معقولة وزني ينقص؟ لمَ أتعب نفسي؟ ! ) 

إنها النفس وكرهها للرياضة والامتناع عن الوجبات الكبيرة، ثم انتهى الشهر الأول من الحمية وذهبت لأعرف وزني، ووجدته قد انخفض بمقدار سبعة من الكيلوات، وفرحت فرحا شديدا، وهذا السر الذي جعلني أواصل .

سبعة كيلو في شهر !!!!!!
المهم أن لا نستعجل النتائج

إنجاز عظيم لمَ لا أواصل؟ فواصلت لكي أصبح خفيفا وأطير!


  


*معاناة الحمية :

إن الامتناع عن بعض الوجبات لشيء عظيم، والرياضة المتعبة أعظم من ذلك ...

تتنازل عن الأكل فداء للصحة ..

حتى في الحفلات كنت أشترط أن يضيفوا صحنا خاصا لي فيه سلطة... 
لكن هذه الحمية حببتني إلى الرياضة فبعد انقطاع وانفصال صار حب واتصال ... وهذا شيء جميل أن تتعهد الرياضة ..
17/12/2013م
تقريبا خلال 10 أو 11 أشهر أنقصت من وزني 60 كيلو ... وأجريت الفحوصات والحمد لله النتائج سليمة . 

ولكن ينبغي أن لا تكون الحمية قاسية ،
فرب مخمصة شر من التخمِ 

*من فوائد الحمية:

من فوائد الحمية أنك تأكل ما يكفيك وتحرق بالرياضة ما أكلته وما تريد إنقاصه، والرياضة غنية عن التعريف بفوائدها...

من فوائد الحمية أنها تجعل عندك رصيدا من المعلومات المهمة الصحية والطبية ...
ومن فوائدها أن نومك يكون أفضل وأقصر، وأنك لا تشخر.

والحمية صحة لأن المعدة بيت الداء كما قيل قديما .


وفي الأثر : ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان لا بد فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث للنفسه .






*ما بعد الحمية:

يتخوف الناس كثيرا بعد الحمية ن أن يرجع الوزن سريعا، ولكن طريقتي في هذا أنني آكل مقتصدا وأحرقه بالرياضة...

لو زاد مثلا ثلاثة كيلو ، أعود للحمية لأنقصها وهكذا يثبت الوزن ... 

إن الاقتصاد في الأكل والمشي يوميا ساعة، كفيل بأن يوفر لك الصحة والسمنة المفرطة، ولكننا حين تركنا هذا ابتلينا !!!

بل كفيل أن يتناسق جسمك وتنعم بسعادة واطمئنان . 






*ضريبة الحمية : 

هي أن أصدقاءك الذين لم ترهم منذ فترة لا يعرفونك، إذا التقيت بهم بعد مدة، فالشكل قد تغير بل حتى في مدة قصيرة، كنت في المركز الصحي وإذا بأحد الأشخاص من قريتي، يقول لي: لم أعرفك منذ البداية إلا حينما أتيت لتسلمَ عليّ ...

ومن المواقف المضحكة في المسجد أن اثنين من كبار السن يتجادلان فمنهم من يقول: هذا إسماعيل ، والآخر ينكر ويقول : ليس هو ... المهم أنني ابتسمت وقلت : أنا هو ...

وأحد الأشخاص كذلك يسأل أخي في صبيحة العيد يقول : من هذا الذي أمامك ؟ فقال له : أخي إسماعيل ... فاندهشتُ لأنه لم يعرفني ... 

وغيرها من المواقف، حتى أن بعضهم استسمح مني لأنه لم يعرفني لما رآني ...  . 

*نصيحة محب : 

كلوا ما تشاؤون لكن بقدر، وما رسوا الرياضة فإنها الخير والسعادة، وكونوا قدوة لغيركم في الخير فقد تأثر بي الكثيرون ولزموا الحمية، الحمد لله أنني ارتحت من أشياء مضرة وأضرار كالصداع، والحكة وضيق النفس، منذ أن بدأت الحمية ولا أمرض إلا قليلا مقارنة بالسابق وكله بسبب الرياضة .

أعتذر عن التقصير والخلل .



إسماعيل المحاربي
18/12/2013 م





رابط الكتيب 

:
صيغة الوورد 
http://www.4shared.com/file/K7jB5DFF/docx.html

صيغة pdf : 
http://www.4shared.com/office/1N_wIDUz/____.html

شكرا 

الجمعة، 13 ديسمبر 2013

وقفة مع كتاب الاستبداد مظاهره ومواجهته (3)


وقفة مع كتاب الاستبداد مظاهره ومواجهته (3)

يواصل الدكتور: محمد عبدالرحيم الزيني أستاذ الفلسفة الإسلامية  عرضه لكتاب سماحة الشيخ احمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة (الاستبداد مظاهره ومواجهته) موضحا ما جاء في  القسم الثاني منه تحت عنوان (مواجهة الاستبداد)  يقول الزيني: يعرض شيخنا في لقطات سريعة إلى الثورات التي هبت في وجه ظلم الأمويين، ويوضح  أن الأمة لم تستكن لهذا الهوان والطغيان، ويستعرض عددا من الثورات التي واجهت حكمهم؛ ومنها ثورة الحسين سيد الشهداء (60هـ) وقد حزت رأسه، ولم تهدأ ثورات العلويين وأنصارهم، إذ كانوا يمثلون المبادئ المثالية في الإسلام، وفي عهد هشام ثار زيد بن علي (122هـ) في الكوفة، مؤسس المذهب الزيدي، ولم يكن حظه أفضل من أعمامه، فقتل شر قتلة؛ بل تروي الروايات أنه بعد أن دفن نبش قبره، وأخرجت جثته، وصلب جسده بالكوفة وأرسلت رأسه إلى دمشق فنصب علي بابها، وظل مصلوبا حتى مات هشام وولي الوليد بن يزيد فأمر بحرق جثته، وطورد ابنه يحيى بن زيد الذي فر على إثر مقتل والده حتى  وصل إلى خراسان  حتى قبض عليه ومثل بجثته، ولم يزل مصلوبا حتى ظهر أبو مسلم فأنزل جثته وصلى عليها.
وثورة عبد الله بن الزبير في مكة، وكذلك ثورة عبدالرحمن بن الأشعث لمواجهة ظلم الحجاج  وطغيانه وانضم إليه جمهرة من العلماء الورعين منهم ؛  سعيد بن جبير.
على أن  شيخنا يتوقف طويلا أمام ثورة عبدالله بن يحيى الكندي، طالب الحق وقائده المقدام أبي حمزة الشاري، ويخصها بمزيد من الشرح والإيضاح لأسباب أهمها ؛ أنها تنتمي إلى مدرسة الإباضية التي ناضلت وصبرت وثبتت أقدامها في أرض الإسلام، واقتدت بحكم  الخلافة الراشدة، وقدمت نموذجا حيا للفداء والحكم العادل، هذا أولا، وثانيا أنها تمكنت من هزيمة قوى الشر وجحافل الباطل، وثالثا، اختلاف آراء المؤرخين حولها ما بين منصف لها، وشأني عليها. ويستفيض في شرح أبعاد الثورة؛ نشأتها وأسبابها، ومسارها، منذ ظهورها في حضرموت واليمن، ودخولها أرض الحجاز، ثم تقدمها بجرأة الحق وصدق الاعتقاد، استطاعت أن تدخل مكة المكرمة، وخطبه المتوالية التي أعادت إلى الإسلام وجهه المشرق، ويحلل عناصرها ويستنبط منها موجز دعوته، وهي توحيد الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذلك خطب قائده  أبي حمزة  في المدينة المنورة حتى صارت خطبه، أيقونة للثوار تناقلتها الأجيال  لمضمونها الذي طرح مبادئ الإسلام النقي، وأعاد سيرة الخلفاء الراشدين إلى أرض الواقع، إلا أن الدولة الأموية لم تتوان في إرسال جيش  بقيادة عبد الملك بن عطية السعدي، وتقابل مع جيش الثوار بقيادة أبي حمزة ؛ الذي خطب في جيشه خطبا نارية يستحثهم على الصبر وجهاد الظلمة، واستبسل هو وجيشه وأبدوا صنوفا من  الاستبسال والشجاعة،  وقدموا  أروع ضروب التضحية  والفداء، وبذلوا أرواحهم فداء لإعلاء كلمة الله، ودارت عجلة الهمجية فقطعوا رؤوسهم ومثلوا بجثثهم، وصلبوهم كما هي عادتهم. ( 130 ـ 170 )
ثم يعود شيخنا إلى كتب التاريخ القديم والحديث يستعرض رأي العلماء المنصفين الذين دافعوا عن ثورة طالب الحق وخطيبه المفوه أبي حمزة، ويسجل رؤية شهداء القسط، ثم يتحول إلى وجهة نظر المغرضين الذين حطوا من شأن  الثورة.  إلا أن شيخنا يتصدى لهذه المقولات البائسة التي عادة ما يفرضها المنتصر بالباطل ويشيعها بين الناس، ويستخدم أسلوب الحوار ويعول على القرآن والسنة في دحض رؤيتهم الخبيثة، التي تؤكد على وجوب البراءة من مرتكب الكبيرة. (173ـ 223 )
ثم ينتقل إلى شرح سمات المدرسة الإباضية التي خرّجت طالب الحق وقائده المغوار، وأثرها في الفكر الإسلامي؛ وكيف أنها أخذت على عاتقها إحياء ما أميت من الحق ، وإماتة ما أحيي من الباطل، وجهودها من أجل إعادة حكم الشورى، وتحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية، وبالجملة إقامة شرع الله حكما عادلا بين الأمة. ويستشهد باقتباسات مسهبة  لوجهة نظر طائفة من  علماء  المشرق و المغرب. ثم يعود  إلى تراث المدرسة الإباضية، يقدم نماذج حية وصورا مثالية  وأمثلة واقعية من الحكام العدول والأئمة الأبرار، قامت في دنيا الناس بأمانة الحكم خير قيام، وضربوا أروع الأمثال في العدل والإنصاف  وسلامة الفكر واستقامة المنهج ، و يقتدون بسلوك الرسول  صلى الله عليه وسلم ويهتدون بأقواله وتقريراته، ويطبقون منهجه في وقائع الحياة ؛ ويعرض عشرات من هؤلاء الأئمة ؛ بداية من الإمام الجلندى بن مسعود، وانتهاء بالإمام محمد بن عبد الله الخليلي، مرورا بالأئمة الرستميين و الصلت بن مالك، وناصر بن مرشد اليعربي، وعزان بن قيس البوسعيدي، ويشير إلى مبايعتهم بيعة شرعية من أهل الحل والعقد ثم توافد جماهير المؤمنين على المبايعة، وسيرتهم العادلة في الرعية ويذكر أمثلة واقعية من مواقفهم الإيمانية، وتعاملهم الحضاري مع رعيتهم، وعدم تميزهم عن سائر أفراد المجتمع وورعهم الشديد وتشددهم في تطبيق مفردات الشريعة، فتشعر أنك أمام مثالية الإسلام، ومبادئه النقية، وبعده الحضاري. (239ـ 277 ).
و يتوقف  أمام ظاهرة أخرى إيجابية  للمدرسة الإباضية، يشرحها باستفاضة وهي اعتدال المدرسة ؛ في مفاهيمها ومنهجها وسلوكها، وبعدها عن الغلو والتطرف، وتجافيها عن التعصب، ومن هذا المنطلق يعرج إلى شرح دورها في محاربة الفكر المتطرف الذي تجلى في سلوكيات الأزارقة والنجدات والصفرية، وتجاوزهم حدود الله، وقصور فهمهم للنصوص الدينية، وكان مردود ذلك ما أحدثوه من رعب بين أركان المجتمع، واستحلال دماء وأموال المخالفين لهم واستعراضهم بالسيف، ويذكر أمثلة عديدة، للحوارات المسهبة التي دارت بين أئمة الإباضية وزعماء الخوارج، لشرح  حقيقة الدين والمنهج السوي، وتبيان انحرافهم عن أصول الإسلام.
ولا يترك شيخنا هذه القضية دون أن يعقب عليها، بكلمة إنصاف فيذكرنا بأن المقدمات الخاطئة تعطينا نتائج  خاطئة، ومن ثم علينا أن ننظر للظروف السياسية والفكرية التي أدت إلى ظهور هذا الفكر المتطرف، ويرجع سبب ذلك إلى ما قاسوه من ظلم الأمويين وعسفهم، وسياسة ولاتهم العنيفة القاسية التي تأخذ بالظنة، ولا شك أن العنف لا يولد إلا  العنف. (ص 278 ــ 289 )
إلا أن شيخنا دخل في حوار طويل مع أنصار الوهابية بسبب هجومهم العنيف على المدرسة الإباضية، والرد على اتهاماتهم، ودفع شبهاتهم وإزاحة الستار عنها، متتبعا هذه الافتراءات، والرد عليها من خلال الاستشهاد بالقرآن والسنة وأقوال الصحابة والتابعين، وتوظيف الدليل العقلي.(ص289  ـ 322 ). بعد هذا الاستطراد، يعود المؤلف تحت عنوان «عود على بدء  «إلى واقع الثورات  العربية، ويناقش ما صاحبها من فتاوى منحرفة ، وأقوال مهزومة ومأزومة، وآراء مجحفة في حق الشعوب، وقد أراد أصحابها الانتصار «للفئة الباغية «من الحكام، وتبرير ظلمهم، والانحياز الكامل لمعسكرهم، والاصطفاف معهم. ويضرب مثالا على ذلك بالفتوى التي أصدرها الشيخ محمود لطفي عامر رئيس جمعية أنصار السنة المحمدية، تؤيد بحماس  ترشيح «ابن أمير المؤمنين حسني مبارك  « لوراثة الجمهورية، وعاد يغترف من الجانب المظلم في تأريخ المسلمين فاستشهد بما قام به معاوية، ثم مضى ينتقد المعارضين للتوريث وقال «:إن ورّث مبارك ابنه فقد ورث من هو خير منه قبل ذلك، وهو معاوية كاتب الوحي.  « ( 323 ). ويرد عليه شيخنا بالدليل النقلي والحجة العقلية ويفند أقواله تفنيدا يقبله العقل السليم وتستريح له النفس السوية، ويلمس نقطة غاية في الأهمية، في سياق رده على أصحاب الفتاوى المعلبة والجاهزة للتصدير في كل زمان ومكان ؛ أنهم هيأوا نفوس الجماهير لقبول الضيم، ومهدوا خواطرهم للاستكانة للاستبداد وشوشوا مفاهيمهم، وأحدثوا أعظم الاضطراب في معاييرهم، وقاموا بما قام به كهنة الفراعنة، حتى أصبحت  نفوسهم  قابلة للظلم مستعدة لتحمل القهر، حتى لو جلد ظهره وأخذ ماله. ويرى أن هذه المفاهيم المغلوطة  من  بقايا الإرث الأموي، لكن العجب كل العجب، حينما ولت دولة بني أمية وأدبرت وسقطت بعد هزيمة مروان بن محمد وقتله، ومجيء العباسيين الذين ساروا على نفس نهج الأمويين، يعود هذا النفر الذين مدحوا الأمويين، يسارعون في مدح العباسيين ويذموا أفعال الأمويين مرة أخرى ويبالغون في إظهار عوار سلوكهم وينشرون  مثالبهم، ويتعقب شيخنا مقولات المؤرخين التي ذموا فيها بني أمية تقربا وتزلفا للعباسيين، وألصقوا بهم تهما عظيمة حتى نسبوهم إلى الشرك والكفر وأخرجوهم من ملة الإسلام، ويستشهدون  بأحاديث منسوبة للرسول صلى الله عليه وسلم يلعن فيها بني أمية  قاطبة، وينقل نصوصا خطيرة من تأريخ الطبري (310هـ) تخرجهم من دائرة الإسلام، ويكذب كل ذلك، ويسفه وجهة نظرهم، ويؤكد أن كل هذا مدسوس ومفترى على بني أمية من أعدائهم.
وهذا لم يمنع شيخنا أن يتعرض لمظالم العباسيين، واستئثارهم بالسلطة، وإضفاء صفة القداسة على حكمهم، والادعاء بأن  الحاكم ظل الله في الأرض،  وحياة الترف والبذخ  والخمر  التي عاشوا فيها، ومطاردتهم للأمويين وتقتيلهم وإخراجهم من قبورهم وضربهم بالسياط وحرقهم، وكلها أفعال منافية لأبسط قواعد الأخلاق، كذلك لم يتورعوا عن تتبع مظان العلويين وقتلهم شر قتلة ؛ ولم يكونوا بأولاد عمومتهم أرحم من الأمويين، حتى قال شاعرهم:
فليت جور بني مروان دام لنا            وليت عدل  بني العباس في النار
ويخلص من هذا النقد إلى تقرير حقيقة تأريخية، وصفة نفسية، لازمت كثيرا من المؤرخين وأصحاب الفتاوى الجاهزة، إذ يولون ظهورهم لدولة المهزوم، وشمسها الغاربة، ويستقبلون بوجوههم وقلوبهم ووجدانهم دولة المنتصر ويدورون في فلكها الجديد ؛ يقول:»إنهم لا يبقون على وجهة سياسية واحدة، وإنما يتقلبون سلبا وإيجابا بحسب ما تتجه الأحداث من إقبال على أحد أو إدبار عنه، فلا يلبثون أن يتحولوا من عداوة من يعادون وسبابه، إلى ولايته وإطرائه إذا دالت له الأيام وأقبلت عليه الدنيا.» ( ص 334 )
ــ قبل الختام، يقف شيخنا في محطات سريعة وقفة تأملية، كأنها مناجاة نفسية،  بينه وبين نفسه المتألمة من أوضاع عالمنا الإسلامي، ومشفقة على واقعه المر ويستعرض ذلك في النقاط الآتية.
1ـ إن انقلاب موازيين الأمة حوّلَ المصائب إلى أمجاد، والأقزام إلى عمالقة.
2ـ العلاقة العضوية بين الترف والتلف، والاستبداد والخراب. وتحذير القرآن من الركون إلى مباهج الدنيا ونسيان الآخرة بنعيمها وعذابها.
3 ـ انقلاب المعايير في واقع الأمة، أدى إلى إعجاب بعض أفراد الأمة بترف المترفين  والمستكبرين الذين تطاولوا على الله وادعوا أنهم أرباب من دونه، ونسوا تعاليم القرآن ووعيده للمتكبرين  والمفسدين والجبارين. ويضرب مثالا على ذلك بمدح أحمد شوقي (ت 1931 ) للفراعنة، وثنائه عليهم ووصفهم بأفضل الأوصاف وأجمل النعوت، يصل إلى درجة التأليه، ويستنكر هذا المديح بشدة، ويتعجب من  هذا الثناء  للجبابرة  الذي لم يلتفت إليه أحد من رجال الفكر، ويعتقد أن هذا المديح  يغترف من  تراث بني أمية.ويأمل شيخنا من قادة الفكر، أن يعودوا إلى المنهج الأصيل منهج القرآن والسنة، والاغتراف من  هذا  النبع الصافي، ويسلكوا مسلك الخلافة الراشدة، ويقودوا الأمة إلى بر الإيمان والأمان.
5 ـ  أما الوقفة الأخيرة فمع عبد الرحمن الكواكبي (ت 1902 ) أحد زعماء الإصلاح، أهمتُه أمور أمته، ونظر في أسباب تخلفها والتي أدت  إلى تخلفها عن ركب الحضارة، وحاول أن يشخص أمراضها، وقد لخصها في العناصر الآتية. الاستبداد  وهو ؛ «صفة للحكومة المطلقة العنان، التي تتصرف في شؤون الرعية كما تشاء، بلا خشية حساب ولا عقاب «ثم يسهب في الأضرار الناتجة عن الحكم المستبد. ــ الفتور العام الذي اتصف به المسلمون، ويقصد به ضعف الهمة، وانخفاض مستوى الطموح. واللا مبالاة في العمل. ــ سيطرة فكرة الجبرية على عقول المسلمين واعتقادهم أن الإنسان بلا إرادة وأنه مسير مثل الريشة.
ــ إهمال مبدأ الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
ــ علماء السلطة، الذين يكتمون الحق ويبررون تصرفات الحاكم.(335 ـ 350 )